شمس الدين السخاوي
297
التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة
بمكان لم يلحقهما في علمهما وعملهما مثلهما ، فكانا رفيقان البحث المتين معه فيظهر عليهما بذهن ثاقب وحفظ متين ، وله تواليف مفيدة في العربية والحديث واللغة والتصوف ، وديوان كبير في مدح النبي صلّى الله عليه وسلّم ومدح غيره ، ويذكره في مجلدات مشتملة على فوائد وغرائب ، وكان السراج الدمنهوري يقول للطلبة : إذا حضر الفقيه زين الدين فأحضروا معكم الدواة والورق حتى تفيدوا من فوائده ، ومن أشعاره واستشهاداته ، فكان كذلك وناهيك بهذا من السراج ، وكان له ميعاد وعظ بقراءة في كل جمعة بعد الصلاة على كرسي عال بالروضة ، بصوت حسن وأداء حسن ، بحيث لا يمل السامع من قراءته ، بل يتلذذ بإطالته ووعظه من كلام ابن الجوزي في التبصرة ، فكان بعض الناس يقول : عاش ابن الجوزي للناس ، وكان هو أول من اتعظ بغيره وانتفع بوعظه ، فإنه صار يلازم الصيام ويسرده ، ويقوم من الليل أكثره ، ورقت نفسه ودرت دمعته كأنه علم بقرب الأجل ، فبادر للعمل حتى كان يقول : والله ندمت على ما أفنيت فيه عمري من الاشتغال بعلم الأدب يا ليته كان في الكتاب والسنة ، قال : وكان يراني فوق ما يرى الولد الوالد في التعظيم والحياء والإكرام ، وأما الغيرة عليّ والانتصار لي والاهتمام بحالي وما يعرض لي من عدو يشنأني فلا يوصف قدرة . . . وبل بالرحمة قبره ، وأرخه الحسيني في ذيل العبر . . . ، وكانت ببلوغ الخبر قد اتفق أخوه وأبوه على . . . ، ووصفه الحسيني بالمحدث المفيد الزاهد ، وتبعه . . . برجب الزين العراقي في وفياته وقال : كان أحد فضلاء المدينة في الحديث وكتب الطباق ، وسمع على الرضي الطبري في آخرين ، وحدث ، وقال المجد : سبق الأقران في علوم العربية والفنون الأدبية وبذ كل مجتهد في العلم معاني وسبقهم في اللغة والنحو والبيان والمعاني مع ما حوى من علم الفقه والأصول ، وروى من السنن ، وأحاديث الرسول ، فصنف وأفاد وألف وجاد ، ووضع في الحديث والتصوف واللغة جملة من الكتب الجياد ، وله ديوان شعر أكثره في مدح سيد المرسلين صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله وصحبه الأكرمين ، كان يحضر درسه أكابر الفقهاء المالكين فيثنون على درسه بالثناء الخيار ، وكل منهم إلى معاودته وحضور درسه يرغب ويميل ، وله ميعاد وعظة بعد صلاة الجمعة يقعد في الروضة على كرسي عال ، ويعظ بأداء غريب وصوت مطرب لا يهتدي إلى سامعه الملال وإن أطنب وأطال ، بل كلما زاد إطناباً زادوا إطراباً وكلما أكثر إغراباً ازداد الحاضرون إعراباً ، حسن حاله وكلف به كل قلب واجبة ، وأصبحت كل نفس تهوى وعظه صبة ، حتى كأنه سلب ابن الجوزي لبه ، وكان رحمه الله أول من اتعظ بمقاله فصار يجتهد في . . . يسرد الصيام ويقوم الليل والناس نيام ويتحسر على ما أذهبه في علم الأدب من الأيام ويقول : يا ليته صرف العمر أجمع في الكتاب والسنة وأخبار الصحابة الكرام ، ورأيت بخطه الاكتفاء . . . فرغه في شوال سنة